الرئيسيةالسياسةمفاجآت الساحة وآفاق السياسة المفتوحة

مفاجآت الساحة وآفاق السياسة المفتوحة

في خضم الأزمات الإقليمية المعقدة، يأتي خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم بمناسبة يوم القدس العالمي ليكون أكثر من مجرد تعبير عن المواقف السياسية. فقد تجلى في الخطاب بيان استراتيجي يرسم ملامح المرحلة المقبلة من المواجهة مع “إسرائيل”، مقدماً إطاراً سياسياً وعسكرياً لصراع قد يستمر، ويحتمل أن يتجاوز تأثيراته حدود الساحة اللبنانية إلى أفق إقليمي أوسع.

من المهم أن نلاحظ أن الخطاب لم يسعَ إلى تقديم صورة حاسمة أو إعلان نهاية قريبة للصراع. بل اشتملت رسائله على تأكيد من القيادة في حزب الله على استعدادها لحرب طويلة الأمد، وما زالت تمتلك عناصر المفاجأة القادرة على تحويل المعادلات. وهذا الأمر يعكس ولعاً بموضوع الحروب غير المتكافئة، حيث تتداخل علاقات القوى في الإقليم.

في الاستراتيجيات الحربية غير المتكافئة، يعتمد الطرف الأضعف على عناصر مثل الاستنزاف، والمرونة العملياتية، والمفاجأة لتعويض ما ينقصه من قدرات تقليدية. هذا هو بالضبط ما عنى قاسم عندما تحدث عن “المفاجآت” التي قد تفاجئ العدو، سواء من حيث نوعية السلاح أو أساليب القتال. يعدّ هذا الغموض جزءاً من استراتيجية الردع، حيث يربك خطط الخصم ويعقد حساباته العسكرية.

خلال تحليل الخطاب، نجد أنه لم يكن موجهًا إلى فئة واحدة فقط. فقد حمل في طياته رسائل تطمين للجمهور الداعم للمقاومة، مفادها أن حزب الله ما زال يحتفظ بالقوة العسكرية اللازمة لمواصلة الصمود. وفي الوقت نفسه، كان هناك توجيه رسالة ردع إلى المؤسسة الأمنية “الإسرائيلية”، مفادها أن توسيع نطاق الحرب لن يكون بلا ثمن بل سيتسبب في تصعيد يصعب التحكم به.

رغم اللهجة التحدي التي طغت على الخطاب، إلا أن قاسم أبقى الباب مفتوحاً أمام الحلول السياسية. فالإشارة إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق “أفضل وأشمل” مع “إسرائيل” تدل على فهم عميق لطبيعة الصراعات التي غالباً ما تنتهي بتسويات سياسية، حتى بعد الجولات العسكرية العنيفة.

بالنظر إلى التحولات المحتملة، تعكس مؤشرات “إسرائيلية” عدم رغبة القيادة العسكرية والسياسية هناك في إنهاء المواجهة قريباً، بل تسعى لتحقيق مكاسب ميدانية إضافية. في هذا السياق، برز حديث قاسم عن إمكانية التوغل البري “الإسرائيلي” كأداة تكتيكية قد تعكس بنفس الوقت استراتيجيات المقاومة.

فبدلاً من اعتبار التوغل البري تهديداً، قدمه كفرصة للمعركة المباشرة، حيث تصبح الإشرافات العسكرية المتفوقة غير ذات جدوى. وفي هذه المعركة، يتمكن حزب الله من استنزاف قدرات العدو، مما يحول التوغل البري من أداة ضغط إلى عبء استراتيجي.

لا يمكن أن نفصل ما يحدث على الساحة اللبنانية عن السياق الإقليمي العام، وخاصة التوتر المتزايد بين “إسرائيل” وإيران. فمن المتوقع أن تستمر موجات الصراع بين “إسرائيل” وحزب الله دون توقف، بغض النظر عن أي تحولات قد تطرأ على العلاقات بين “إسرائيل” وإيران.

وفي النهاية، تبقى المعارضة الزمنية هي العامل الحاسم. فحسابات “حزب الله” و”إسرائيل” تتعلق بالوقت، حيث يراهن كل منهما على استراتيجيات تستند إلى الصمود أو الاستنزاف. فالجبهات تظل مرهونة بعوامل متعددة، ولا تشير الظروف الحالية إلى حسم أو تسوية واضحة قريبة.

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة

احدث التعليقات