الرئيسيةالسياسةالسياسة كخدمة لا كسلطة: رؤية جديدة للعمل السياسي في السودان

السياسة كخدمة لا كسلطة: رؤية جديدة للعمل السياسي في السودان

م. هيثم عثمان إبراهيم

السياسة في جوهرها هي فن إدارة الشأن العام لتحقيق الصالح المشترك. هي الآلية التي ينظم بها المجتمع نفسه، ويتخذ قراراته الجماعية، ويوزع موارده، ويحل نزاعاته. السياسة بهذا المعنى ضرورة إنسانية لا يمكن الاستغناء عنها.

لكن السياسة في السودان تحولت إلى شيء آخر تمامًا. لقد تحولت إلى صراع على السلطة بأي ثمن، إلى طريق للثراء والنفوذ، وساحة للتخوين والإقصاء. وقد أصبح السياسي مرادفًا للانتهازي، والحزب أصبح مرتبطًا بالعُصبة، والحكم لم يعد إلا غنيمة. هذا التشوه في فهم السياسة وممارستها هو أحد أسباب أزمتنا المستمرة.

الفهم المتناقض للسياسة

هناك فهمان متناقضان للسياسة:

  • السياسة كسلطة:
    • الهدف هو الوصول للسلطة والاحتفاظ بها.
    • السلطة غاية في ذاتها، لا وسيلة لخدمة الناس.
    • الآخرون منافسون يجب هزيمتهم أو إقصاؤهم.
    • كل الوسائل مباحة لتحقيق الهدف.
    • المواطنون أدوات للتعبئة، لا شركاء في القرار.
  • السياسة كخدمة:
    • الهدف هو خدمة المواطنين وتحقيق الصالح العام.
    • السلطة أمانة ومسؤولية، لا امتياز.
    • الآخرون شركاء في الوطن، حتى لو اختلفوا.
    • الوسائل يجب أن تكون أخلاقية ومشروعة.
    • المواطنون هم مصدر السلطة وأصحاب القرار.

السودان عانى طويلاً من هيمنة الفهم الأول، ويحتاج لتحول جذري نحو الفهم الثاني.

السياسي كخادم عام

السياسي الحقيقي يجب أن يكون خادمًا عامًا، لا سيدًا على الناس. ومن صفات الخادم العام:

  • التواضع: يعرف أنه يمثل الناس ويخدمهم، لا يحكمهم.
  • النزاهة: يرفض الفساد والمحسوبية، ويُقدم المصلحة العامة على الخاصة.
  • الشفافية: يعمل في العلن، ويُحاسب على قراراته.
  • الكفاءة: يملك المعرفة والمهارات اللازمة لأداء مهمته.
  • الاستماع: يستمع للمواطنين ويستجيب لاحتياجاتهم.
  • المسؤولية: يتحمل مسؤولية قراراته ونتائجها.

هذا النموذج يبدو مثاليًا، لكنه ممكن. هناك سياسيون حول العالم يُجسدونه، وهناك مجتمعات نجحت في بناء ثقافة سياسية تُنتجه.

الديمقراطية كآلية للخدمة

الديمقراطية ليست مجرد انتخابات، بل هي نظام لضمان أن السياسة تخدم الناس. ومن آليات الديمقراطية:

  • الانتخابات: تُمكّن المواطنين من اختيار ممثليهم ومحاسبتهم.
  • الفصل بين السلطات: يمنع تركز السلطة ويُوفر رقابة متبادلة.
  • سيادة القانون: يضمن أن الجميع، بمن فيهم الحكام، يخضعون للقانون.
  • حرية التعبير: تُمكّن المواطنين من النقد والمساءلة.
  • المجتمع المدني: يُوفر قنوات للمشاركة والضغط.
  • الإعلام الحر: يكشف الفساد ويُنير الرأي العام.

هذه الآليات ليست كمالية، بل هي ضمانات ضد تحول السياسة من خدمة إلى سلطة.

الأحزاب: من العصبة إلى المؤسسة

الأحزاب السياسية يجب أن تكون مؤسسات لتنظيم المشاركة السياسية وتقديم البدائل، لا عُصبا للولاء الشخصي. ومن مشاكل بعض الأحزاب السودانية:

  • قيادات أبدية لا تتغير.
  • غياب الديمقراطية الداخلية.
  • ولاء للقائد لا للفكرة.
  • انقسامات وصراعات شخصية.
  • ضعف البرامج والرؤى.
  • انفصال عن المواطنين.

أما الممارسات المطلوبة من الأحزاب فتشمل:

  • ديمقراطية داخلية حقيقية.
  • تداول على القيادة.
  • برامج واضحة وقابلة للتنفيذ.
  • انفتاح على الشباب والنساء.
  • تواصل مستمر مع القاعدة.
  • شفافية في التمويل والقرارات.

الخصومة السياسية لا العداوة

الاختلاف السياسي طبيعي وصحي، لكنه يجب أن يبقى خصومة لا عداوة. وتعني الخصومة السياسية:

  • اختلاف في الرؤى والسياسات.
  • احترام متبادل رغم الاختلاف.
  • تنافس ضمن قواعد متفق عليها.
  • استعداد للتعاون حين تقتضي المصلحة.
  • قبول بنتائج العملية الديمقراطية.

بينما تمثل العداوة السياسية:

  • تحويل الخصم إلى عدو يجب إقصاؤه.
  • تخوين وتشويه وتجريم.
  • رفض أي تعاون أو حوار.
  • استخدام كل الوسائل، بما فيها العنف.
  • رفض نتائج العملية الديمقراطية.

السودان عانى من تحول الخصومة إلى عداوة، ويحتاج لثقافة سياسية جديدة تُميز بينهما.

الأخلاق في السياسة

السياسة ليست منطقة خارج الأخلاق، فالغاية لا تبرر الوسيلة. ومن المبادئ الأخلاقية للسياسة:

  • الصدق: قول الحقيقة للناس، حتى لو كانت صعبة.
  • الوفاء: الالتزام بالوعود والعهود.
  • العدل: معاملة الجميع بإنصاف.
  • الرحمة: مراعاة الضعفاء والمهمشين.
  • التواضع: الاعتراف بالخطأ والاستعداد للتصحيح.
  • المسؤولية: تحمل تبعات القرارات.

السياسي الذي يتخلى عن الأخلاق قد يكسب معارك، لكنه يخسر ثقة الناس ويُدمر المجتمع.

المواطن الفاعل

السياسة الصحية تحتاج مواطنين فاعلين، لا مجرد ناخبين. ومن صفات المواطن الفاعل:

  • الوعي: يفهم القضايا ويُتابع الشأن العام.
  • المشاركة: يُصوت ويُشارك في الحياة المدنية.
  • النقد: يُحاسب المسؤولين ويُطالب بحقوقه.
  • المسؤولية: يتحمل مسؤوليته تجاه المجتمع.
  • التسامح: يقبل الاختلاف ويحترم الآخرين.
  • الاستقلالية: يُفكر بنفسه ولا يُقاد بسهولة.

بناء المواطن الفاعل يتطلب: تعليمًا مدنيًا، وإعلامًا حرًا، ومساحات للمشاركة.

السياسة المحلية

السياسة ليست فقط في العاصمة، بل تبدأ من المستوى المحلي. وتتمثل أهمية السياسة المحلية في:

  • أقرب للمواطن واحتياجاته.
  • مدرسة للممارسة الديمقراطية.
  • تُنتج قيادات جديدة.
  • تُعالج مشاكل الحياة اليومية.

ومن تعزيز السياسة المحلية:

  • لامركزية حقيقية تنقل السلطات والموارد.
  • انتخابات محلية حرة ونزيهة.
  • مشاركة المواطنين في القرارات المحلية.
  • شفافية ومساءلة على المستوى المحلي.

تجديد الثقافة السياسية

تغيير السياسة يتطلب تغيير الثقافة السياسية. من ثقافة:

  • السلطة كغنيمة.
  • الولاء للشخص.
  • التخوين والإقصاء.
  • العنف كأداة.
  • الانتهازية والفساد.

إلى ثقافة:

  • السلطة كأمانة.
  • الولاء للفكرة والمؤسسة.
  • الحوار والتعاون.
  • السلمية والديمقراطية.
  • النزاهة والخدمة.

هذا التحول يحتاج وقتًا وجهدًا، لكنه ممكن. يبدأ من التعليم والإعلام والممارسة.

السودان يستحق سياسة أفضل. سياسة تخدم الناس لا تستغلهم، تجمع لا تُفرق، تبني لا تُدمر.

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة

احدث التعليقات