الرئيسيةالسياسةالإنذار الأخير: ديناصورات السياسة في بيروت تواجه اختبار الفهم

الإنذار الأخير: ديناصورات السياسة في بيروت تواجه اختبار الفهم

في 19 شباط، عُقد في واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس غزة للسلام»، وهو مبادرة أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إطار مسعى سياسي-تنفيذي لمرحلة ما بعد الحرب. كان الاجتماع غير تقليدي، حيث لم يكن مجرد حديث بل ورشة عمل سياسة استراتيجية تهدف إلى تحديد خطة عملية لإعادة إعمار غزة وبناء إدارة مدنية انتقالية.

الغياب الملحوظ للفصائل الفلسطينية التقليدية كان من أبرز ملامح الاجتماع. فلم يكن هناك تمثيل من السلطة الفلسطينية، أو حركة فتح، أو حماس، أو الجهاد الإسلامي. وقد كان الحضور مختصراً على الدكتور علي شعث، رئيس «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، الذي قدم خطة تمتد لألف يوم تتعلق بإعادة تشغيل البنية التحتية وضبط الخدمات الأساسية. كما ركز على أهمية بناء حوكمة انتقالية بعيدة عن الأيديولوجيا والفصائل العسكرية.

هذا التغيير في طريقة التفكير والحضور كان علامة فارقة. الاجتماع تمحور حول مستقبل غزة من دون مشاركة الفصائل التي لها دور بارز لعقود طويلة، وتم تقديم الرؤية من منظور إقتصادي وإداري. أما التصريح الأكثر إثارة للفت الانتباه من ترامب حول «الحكم الذاتي في غزة»، فهو يوحي بفصل محتمل للقطاع عن الضفة الغربية، مما قد يكون مؤشراً على نهاية فكرة حل الدولتين بالشكل التقليدي المتعارف عليه.

ما يُثير التساؤلات هو ما إذا كان المسؤولون في لبنان قد انتبهوا إلى التصريح الذي أدلى به ترامب حول ضرورة «حل مشكلة لبنان». هذه العبارة ليست مجرد تعليق عابر، بل دلالة على المعيار الذي يعتمد عليه المجلس: لبنان، مثل غزة، يُقيّم على أساس الإنجاز والتقدم وليس من خلال الأيديولوجيا القديمة.

التغيرات في المنطقة تشير إلى أن الأوضاع لم تعد تُدار وفق القواعد القديمة. أحداث مثل السابع من أكتوبر أو الحادي عشر من يونيو قد غيرت معالم المشهد السياسي. التوازنات لم تعد كما كانت، والذين يتمسكون بمعادلات الأمس هم في خطر الاستبعاد من الترتيبات المقبلة. في لبنان، بعض الطبقة السياسية لا تزال عالقة في عقلية الماضي، مما يعوض الجهود اللازمة للحاق بالتغيرات الراهنة.

أما فيما يتعلق بالمجموعة الخماسية التي تضم الولايات المتحدة، فرنسا، السعودية، قطر، ومصر، فإن الدعم لم يعد يأتي بشكل عشوائي أو غير مشروط. بل بات مشروطاً بخطوات ملموسة وليس مجرد تعهدات. ويتجلى ذلك في المواقف الأكثر تشدداً من قبل الولايات المتحدة والسعودية، حيث تشير التقارير إلى عدم الرضا عن قرارات الحكومة اللبنانية.

تعقيدات الوضع اللبناني تتطلب من القادة اتخاذ قرارات جريئة وواضحة تتعلق بسلاح حزب الله، والذي لم يعد مجرد مسألة داخلية بل جزء من صورة أكبر تُعاد صياغتها. التحضيرات لمؤتمر دعم الجيش في باريس ستُقيَّم حسب أفعال الحكومة، مثل حصر القرار الأمني، والجرأة في اتخاذ القرار.

رسالة «مجلس غزة للسلام» كانت واضحة وفعالة؛ من يقدم رؤية عقلانية تسهم في تحقيق الاستقرار يستطيع أن يكون جزءاً من الحل. من يقف عند حدود التفكير التقليدي ويعتمد على فرضيات عفا عليها الزمن، سيجد نفسه خارج اللعبة. في السياسة، لا يُستبعد أحد فجأة، بل يُستبعد بناءً على فشله في قراءة المتغيرات في العالم.

تبدو المرحلة الحالية لحظة حاسمة للبنان. على النخب السياسية الانتقال من المناورات الضيقة إلى صياغة استراتيجية متكاملة للدولة، وإلا سيتوجب عليهم مواجهة واقع جديد يقوده رجال سياسة مستحدثين يفكرون خارج الصندوق ويفهمون القواعد الحالية.

اجتماع «مجلس غزة للسلام» كان بمثابة مرآة إقليمية، والتساؤل الحقيقي هو: هل تدرك القيادات السياسية في بيروت أن الاستمرار في زمن التغيرات يتطلب تغييراً عميقاً في الذهنية قبل المناصب؟

شركاء المستقبل لن يكونوا إلا من يدرك قواعد اللعبة الجديدة ويتمكن من المضي قدمًا معها.

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة

احدث التعليقات