وفاة النظام الدولي الليبرالي: تحليل عبد الله مراد أوغلو
في منتدى دافوس، أطلق رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إعلانًا مثيرًا تمثل في “وفاة النظام الدولي الليبرالي”. وهذا الإعلان يعتبر تأكيدًا على تحول تاريخي أعمق حيث تكسرت البنية التي حكمت النظام العالمي منذ نهاية الحرب الباردة. ولكن هل هذه الأزمة ناتجة فقط عن القوى الخارجية، أم أن هناك تحولًا داخليًا أيضًا؟
تحولات داخلية في النظام الدولي
يؤكد الكاتب والخبر التركي عبد الله مراد أوغلو بأن أزمة الليبرالية ليست مجرد رد فعل تجاه صعود قوى خارجية، مثل الصين. بل تعود جذورها إلى تحولات داخلية حدثت في قلب النظام ذاته، وبالتحديد داخل الولايات المتحدة خلال فترة رئاسة دونالد ترامب. في هذا السياق، يتناول مراد أوغلو مأزق “أوروبا الليبرالية”، التي تحاول التكيف مع واقع جديد يفتقر إلى القواعد، معتمدة على المؤسسات الأميركية دون وجود مشروع بديل حقيقي.
السياسات الترامبية وأثرها على النظام الدولي
مراد أوغلو يربط بين السياسة الخارجية في عهد ترامب والأزمة الداخلية الأميركية، مشيرًا إلى أن النظام الدولي الجديد يتشكل من داخل الصراع الأميركي، وليس نتيجة عوامل خارجية. في هذا المضمار، سلط الكاتب الضوء على ما قام به ترامب عند تصريحه بجعل كندا تُعتبر “الولاية الحادية والخمسين”، موضحًا تداعيات ذلك على حلف الناتو وعلى العلاقات الدولية.
دعوة للتعاون
استجاب كارني لهذا التهديد بتقديم تصور جديد يتضمن “الواقعية القائمة على القيم”، مشيرًا إلى أهمية العمل الجماعي بين الدول “المتوسطة”، ولا سيما في أوروبا الغربية. لكنه أيضًا يعبر عن قلقه من عدم وجود توازن حقيقي يضمن مصالح الدول الأقل تأثرًا بسبب النظام القديم، حيث يتحتم على هذه الدول التنسيق وفقًا لمصالحها الجيدة.
مأزق الخيارات الأمريكية
يرى مراد أوغلو أن التحديات التي تبرز في الولايات المتحدة تلقي بظلالها على العلاقات مع “أوروبا الليبرالية”. فالأمل الأوروبي يرتكز على قدرة الكونغرس الأميركي على كبح جماح ترامب، مع العلم أن الانتخابات النصفية المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير ترامب. وقد ينجح الديمقراطيون في استعادة السيطرة، مما قد يحجم نشاط ترامب على الساحة الدولية.
الأزمات الداخلية وتأثيرها الخارجي
تزايدت الأزمات داخل الولايات المتحدة، مثل حادثة مقتل أميركي على يد عناصر من شرطة الهجرة، لتزيد من الضغوط على الإدارة. هذه الأزمات تعكس عدم الاستقرار السياسي الداخلي بل وتؤثر على السياسة الخارجية. فالانشغالات الداخلية قد تعيد تشكيل السياسات الخارجية، وخاصة إذا كان الهجوم على إيران سيحقق مكاسب داخلية، مما يحتم على ترامب التفكير مليًا في الخيارات المتاحة.
العلاقة مع إيران وتوترات الخليج
أضحت سياسة ترامب تجاه إيران تحديًا كبيرًا، حيث يظل من غير الواضح إن كان الحشد العسكري الأميركي في الخليج هدفه الضغط أم الإعداد لهجوم. تشير التحركات إلى أن هناك ضغطًا قويًا على إيران، ولكنه يُعد بمثابة اختبار لمدى قدرتها على الصمود، وهو ما يعيدنا إلى سياسة ترامب التي تسعى إلى تحقيق الأهداف الأمريكية من خلال الأساليب التفاوضية أو العسكرية.
الأنماط السياسية المتغيرة
كل هذه الديناميكيات تُظهر التغيرات الجذرية في النظام الدولي، حيث يتسم بالعولمة والتنافس بين القوى. يُمكن اعتبار أن “أوروبا الليبرالية” تسعى للبقاء في دائرة الضوء، ولكنها تحتاج إلى إعادة تقييم أفكارها تجاه الشراكات والتعاون دوليًا، في ظل عدم استقرار أوضاعها وعلاقاتها مع الدولة الأكثر نفوذًا، الولايات المتحدة.
التحديات المقبلة
أمام هذه المعطيات، فإن النظام الدولي الجديد قد يكون في مرحلة التشكيل، والمطلوب هو الوعي بالتحولات الداخلية والخارجية التي ستلعب دورًا محوريًا في رسم معالم المستقبل.

احدث التعليقات